أحمد ياسوف
127
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] تجسيم للمشاعر طافح بالحسية وقد ألقى سيد قطب الضوء على كلمة « أشربوا » مثيرا خيال القارئ ، إذ يقول : « تلك الصورة الساخرة الهازئة ، صورة العجل يدخل في القلوب إدخالا ، ويحشر فيها حشرا ، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت به هذه الصورة المجسمة لتؤدّيه ، وهو حبهم الشديد لعبادة العجل » « 1 » . ونحن هنا مع التعبير عن عبادة العجل بالعجل ذاته ، ثم بانتقاله إلى القلوب ، بل تحوله إلى سائل تستسيغه أفواههم ومعاهم ، فهنا صورة مركبة أو مولدة ، فمما يثير الخيال هذا التحول من الكثيف إلى الرقيق ، وهذا مقرون بالطبع الحيواني للمشرك أينما كان ، فهو مع العجل ، بل إنه في حال إكراه تحت سلطة الأهواء كما يدل الفعل المبني للمجهول « أشربوا » . وما نزال مع العمليات الذهنية في القلب الصائرة إلى عالم مريء ، قال عز وجل مخاطبا نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] ، هذه الآية من الشواهد التي تتداولها كتب الإعجاز والبلاغة . يقول ابن أبي الإصبع المصري ( - 654 ه ) : « المستعار منه الزجاجة ، والمستعار الصدع وهو الشق ، والمستعار له عقوق المكلفين ، والمعنى : صرّح بجميع ما أوحي إليك ، وبيّن كل ما أمرت ببيانه ، وإن شقّ ذلك على بعض القلوب فانصدعت ، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصديع في القلوب ، فيظهر أثر ذلك على الوجوه من التقبّض والانبساط ، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار ، كما يظهر ذلك على الزجاجة المصدوعة المطروقة في باطنها » « 2 » .
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ، مج / 1 : 2 / 265 . ( 2 ) بديع القرآن ، ابن أبي الإصبع ، ص 22 ، وانظر مثلا : الإيضاح للقزويني : ص 214 .